رحلات الطيران التجارية في الاتحاد الأوروبي ترتفع رغم ارتفاع تكاليف وقود الطيران
أظهر قطاع الطيران التجاري في الاتحاد الأوروبي صموداً لافتاً خلال أشهر الصيف، إذ ارتفعت أحجام الرحلات شهرياً حتى في ظل بقاء أسعار وقود الطيران مرتفعة بشكل ملحوظ جراء اضطرابات أسواق النفط العالمية المرتبطة بالنزاع المتواصل في الشرق الأوسط. وتكشف البيانات القطاعية التي جمعتها السلطات الأوروبية للطيران المدني أن عدد المغادرات التجارية في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي نما باطراد من يونيو حتى أغسطس، مسجلاً مستويات لم تُشهد منذ ما قبل الجائحة.
الطلب يتجاوز هموم التكاليف
تجاوز الطلب على السفر الجوي توقعات كثير من المحللين، وذلك رغم البيئة الراهنة لتكاليف الوقود. دفع ارتفاع أسعار النفط — الذي أوصل وقود الطائرات إلى أعلى مستوياته في سنوات — معظم شركات الطيران الأوروبية الكبرى إلى فرض رسوم إضافية على الوقود وتحميل المسافرين تكاليف إضافية. بيد أن معدلات إشغال المقاعد — نسبة المقاعد المتاحة المحجوزة من قِبل مسافرين يدفعون أجوراً — ظلت مرتفعة على مدار موسم الصيف بأكمله.
يُرجع المراقبون في هذا القطاع هذا الأداء إلى عدة عوامل؛ أولها أن الطلب المكبوت لدى المسافرين الذين قلصوا رحلاتهم الجوية في سنوات الجائحة لم يُستنفد بالكامل بعد. وثانيها أن سوق العمل في معظم أنحاء أوروبا حافظ على تشدده النسبي، مما عزّز الإنفاق الاستهلاكي على بنود الإنفاق التقديري كالسفر. وثالثها أن توسع شركات الطيران منخفضة التكاليف التي رفعت شبكات مساراتها بتوسع حثيث وفّر للمسافرين الحساسين للسعر خيارات أوفر حتى في ظل ارتفاع أسعار تذاكر الدرجة الاقتصادية.
تكاليف الوقود وهوامش شركات الطيران
على الرغم من الأرقام المرتفعة للمسافرين، تواجه كثير من شركات الطيران ضغوطاً على هوامش أرباحها. يُشكّل وقود الطيران في الظروف العادية للسوق ما بين 20 و30 بالمئة من إجمالي تكاليف تشغيل شركة الطيران، غير أن هذه الحصة ارتفعت بصورة ملموسة لدى بعض الناقلين في ظل الأسعار الحالية. وتتعرض شركات الطيران التي تشغّل نسبة أعلى من الرحلات بعيدة المدى للمخاطر بشكل أشد، إذ تكون تكاليف الوقود على المسارات القارية أعلى بكثير في الأرقام المطلقة.
أعلنت عدة شركات طيران أوروبية كبرى عن تعديل توقعاتها نحو الأسفل لأرباح السنة بأكملها، بالتوازي مع تسجيلها أحجام مسافرين قياسية أو قريبة منها. وقد وفّرت استراتيجيات التحوط — أي ممارسة تثبيت أسعار شراء الوقود مسبقاً بواسطة أدوات مالية — حماية جزئية لبعض الناقلين، إلا أنها في الوقت ذاته قيّدت الاستفادة من انخفاض الأسعار حين تتقلب.
دور الصراع في الشرق الأوسط
ترتبط أسعار الوقود المرتفعة ارتباطاً مباشراً بحالة عدم اليقين في السوق التي أفرزتها استمرارية الأعمال المسلحة في الشرق الأوسط، والتي أثرت على مسارات الشحن وطاقة التكرير ومشاعر المستثمرين في أسواق الطاقة. ورغم أن الرحلات الأوروبية لا تعتمد على النفط الشرق أوسطي حصراً، فإن أسعار النفط الخام العالمية تمثّل المرجع المعياري لتسعير وقود الطيران في كل أرجاء العالم، مما يعني أن الاضطرابات الإقليمية تنعكس بسرعة على تكاليف تشغيل شركات الطيران في جميع الأسواق.
آفاق الخريف والشتاء
تتوقع هيئات الطيران الأوروبية أن يتراجع زخم نمو الصيف نسبياً مع انتهاء موسم الذروة السياحي، إذ يسجّل الخريف والشتاء تاريخياً أحجام مسافرين أقل مما سيُخفف الضغط على تكاليف الوقود مع تراجع الطلب. بيد أن اقتراب موسم السفر في العطلات واكتظاظ التقويم بعدد من الفعاليات الرياضية والثقافية الكبرى المقررة في مدن الاتحاد الأوروبي يجعل شركات الطيران تنظر بتفاؤل حذر إلى إمكانية إنهاء هذا العام على مسار إيجابي لأعداد الرحلات السنوية الإجمالية، على الرغم من الرياح المعاكسة الناجمة عن تكاليف الوقود.
