تجلت التحولات العميقة في المشهد الأمني العالمي بوضوح من خلال مسار رحلة وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس. فلتجنب المجال الجوي الروسي، اضطرت طائرته من طراز A350، التي تحمل اسم "كونراد أديناور"، إلى التحليق فوق بحر النرويج والمرور بين شبه جزيرة كامتشاتكا الروسية وولاية ألاسكا الأمريكية للوصول إلى طوكيو. هذا المسار الجيوسياسي البديل يسلط الضوء على التغيرات الجذرية التي تدفع ألمانيا واليابان نحو تعاون عسكري غير مسبوق.
وفي قاعدة يوكوسوكا البحرية - التي تستضيف الأسطول السابع للبحرية الأمريكية - التقى بيستوريوس بنظيره الياباني شينجيرو كويزومي. وأكد الزعيمان على الحاجة الماسة للعمل الموحد في حقبة تتسم بالصراعات. وقال كويزومي: "إن أهمية التعاون الوثيق بين الدول ذات التفكير المماثل مثل اليابان وألمانيا أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى"، مشيراً إلى أنه لم يعد بإمكان الدول إدارة الأزمات العالمية بمعزل عن غيرها.
وردد بيستوريوس هذا الشعور قائلاً: "حتى لو كانت هناك مسافة 9000 كيلومتر كخط مستقيم بين بلدينا، فإن القناعة ذاتها تنطبق علينا معاً. قوة القانون هي التي تسود". وأكد الوزيران على القيم المشتركة، لا سيما التزامهما بدعم القانون الدولي وحرية الملاحة.
في أعقاب الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، برزت كل من ألمانيا واليابان كدولتين ديمقراطيتين قويتين مع قيود عسكرية صارمة. فقد تأسس الجيش الألماني (البوندسوير) في عام 1955 كقوة دفاعية مكونة من "مواطنين يرتدون الزي العسكري"، في حين تبنت اليابان دستوراً سلمياً، واحتفظت فقط بقوات الدفاع الذاتي. ولعقود من الزمن، اعتمدت كلتا الأمتين بشكل كبير على الضمانات الأمنية والمظلة النووية للولايات المتحدة.
ومع ذلك، جلب القرن الحادي والعشرون تهديدات جديدة. فقد أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 ومساعي الهيمنة الصينية المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية بشكل جذري. علاوة على ذلك، أصبحت موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية التقليدية موضع تساؤل منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025.
استجابة لهذه التهديدات المترابطة عبر أوروبا والمحيطين الهندي والهادئ، تعمل كل من برلين وطوكيو على إصلاح سياساتهما الدفاعية. وتواصل ألمانيا البناء على "نقطة التحول التاريخية" (Zeitenwende) التي أعلنها المستشار آنذاك أولاف شولتس في عام 2022، والتي تطلبت جهداً وطنياً كبيراً وزيادة في الاستثمارات الأمنية.
في الوقت نفسه، تبتعد اليابان تدريجياً عن عقيدتها السلمية الصارمة. وتقود رئيسة الوزراء اليابانية سناء تاكايتشي جهوداً لتعديل المادة 9 من الدستور، التي تنبذ الحرب "إلى الأبد". وتهدف إدارتها أيضاً إلى زيادة الإنفاق الدفاعي إلى ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي لليابان.
ورغم أن المسافة الجغرافية تحد من الدعم العسكري المباشر في أوقات الأزمات، إلا أن البلدين يوسعان تعاونهما العملي من خلال التدريبات المشتركة للقوات البحرية والجوية والطبية. ويعد اتفاق الاستحواذ والخدمات المتبادلة (ACSA) عنصراً رئيسياً في هذه الشراكة، حيث يسمح لقواتهما المسلحة بتبادل الوقود والإمدادات والدعم اللوجستي. وتحتفظ اليابان حالياً باتفاقيات من هذا النوع مع ثماني دول هي: ألمانيا، الولايات المتحدة، أستراليا، كندا، فرنسا، المملكة المتحدة، إيطاليا، والهند.
وبالنظر إلى المستقبل، يسعى بيستوريوس إلى تعميق العلاقات من خلال مشاريع التسليح المنسقة، مؤكداً أن الأمن والدفاع ليسا مجرد قضايا سياسية، بل يتطلبان تكاملاً صناعياً استراتيجياً.
نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سياسة الخصوصية